اضطراب ما بعد الصدمة حالة نفسية معقدة وحسّاسة، ولا يكفي معها التعاطف العابر أو النصائح العامة؛ لأنها تترك أثراً عميقاً في طريقة تفكير المصاب وشعوره واستجابته للأحداث اليومية. ومع أن الأعراض قد تبدو متقطعة أو غير مفهومة لمن حوله فإنها قد تُربك حياة الشخص وتؤثر في علاقاته وثقته بنفسه وقدرته على العمل أو الدراسة.
لذلك يحتاج المصاب إلى دعم متخصص ومستمر من المحيطين به على أن يكون هذا الدعم ثابتاً وواقعياً وغير مشروط، لأن الاستقرار في التعامل يخفف شعور التهديد ويمنح المصاب إحساساً بالأمان. كما أن رعاية مرضى PTSD تتطلب صبراً وتفهماً عميقاً لطبيعة التحديات النفسية والعاطفية التي يمرون بها، والغاية النهائية ليست دفعه للنسيان بل مساعدته على استعادة التوازن النفسي تدريجياً والتكيف مع الحياة اليومية بطريقة تحترم تجربته وظروفه.
هذا المقال يشرح كيفية التعامل مع مريض اضطراب ما بعد الصدمة بطريقة إيجابية وداعمة تقوم على الاحترام والتعاطف وتقديم دعم مهني عند الحاجة حتى يشعر المصاب أنه ليس وحيداً في رحلة التعافي، وأن من حوله يفهمون حدوده ويقدّرون احتياجاته دون ضغط.
فهم اضطراب ما بعد الصدمة وأعراضه الأساسية
اضطراب ما بعد الصدمة هو اضطراب نفسي يظهر بعد التعرض لحدث صادم أو مخيف أو مؤلم، سواء كان الشخص جزءاً من الحدث أو شاهداً عليه، وقد تظل آثار التجربة عالقة في الذاكرة والانفعالات لفترة طويلة.
المشكلة لا تتعلق بضعف الشخصية أو قلة الإيمان أو المبالغة، بل باستجابة نفسية وجسدية طبيعية لحدث غير طبيعي بحيث يبقى الدماغ في حالة تأهب كأن الخطر ما زال قائماً.
إن فهم الصورة العامة للاضطراب يساعد الأسرة والأصدقاء على التعامل بوعي أكبر؛ لأن المصاب غالباً لا يختار هذه الاستجابات، وقد لا يستطيع إيقافها بمجرد الإرادة، وهذا ما يجعل التعاطف المبني على المعرفة أكثر فاعلية من التعاطف العاطفي وحده.
الأعراض النفسية والجسدية للاضطراب
أعراض اضطراب ما بعد الصدمة تتوزع وتختلف بين جوانب نفسية وجسدية، وقد تتفاوت شدتها من شخص لآخر، كما أنها تزيد أو تهدأ بحسب الظروف أو وجود محفزات تذكّر بالحدث.
الأعراض النفسية
تتمثل الأعراض النفسية لاضطراب مابعد الصدمة كالتالي:
- الكوابيس المتكررة
- استرجاع الذكريات المؤلمة
- القلق الشديد
- الشعور بالعزلة
هذه الأعراض تظهر على هيئة صور ذهنية مفاجئة أو شعور طاغي بالخوف أو توتر دائم يصعّب الاسترخاء، وأحياناً يظن المحيطون أن المصاب يتجاهل أو لا يريد الحديث، بينما يكون في الحقيقة يحاول حماية نفسه من موجة مشاعر قاسية لا يمكنه التحكم بها بسهولة.
الأعراض الجسدية
ومن جهة أخرى فإن الأعراض الجسدية تكون كالتالي:
- تسارع ضربات القلب
- التعرق الشديد
- الارتعاش عند التعرض لمحفزات الصدمة
- اضطرابات النوم
ومن المهم الانتباه إلى أن الجسد قد يستجيب حتى لو لم يتكلم المصاب أو لم يُفصح عمّا يشعر به، لأن الجهاز العصبي قد يتعامل مع بعض الأصوات أو الروائح أو المواقف كإشارات خطر فيُطلق استجابة "القتال أو الهروب" تلقائياً.
كيف يؤثر الاضطراب على الحياة اليومية؟
أعراض الصدمة النفسية تفرض على المصاب نمطاً يومياً مليئاً بالمحاذير؛ فقد يجد صعوبة في التركيز أو اتخاذ القرار، وقد يواجه صعوبة في التواصل العاطفي أو الحفاظ على العلاقات لا بسبب قلة الاهتمام، بل بسبب الإرهاق الداخلي ومحاولته المستمرة لتجنب ما يوقظ الذكريات المؤلمة. كذلك قد تتأثر الإنتاجية في العمل أو الدراسة بسبب اضطرابات النوم أو نوبات القلق أو الاسترجاع المفاجئ.
وقد يلجأ بعض المصابين إلى سلوكيات يحاولون بها تهدئة الألم أو الهروب من المشاعر مثل الانعزال أو الإفراط في العمل أو أي سلوك آخر يخفف الإحساس المؤقت، وهذا قد يزيد من تعقيد علاج اضطراب ما بعد الصدمة إذا لم يُفهم ضمن سياقه.
لذلك يبقى إدراك أن الناس لا يتشابهون في التعامل مع الصدمات خطوة أساسية، وأن طلب المساعدة المهنية غالباً ما يكون بداية التعافي الأكثر أماناً ووضوحاً.
علامات تدل على إصابة شخص قريب باضطراب ما بعد الصدمة
التعرف المبكر على علامات اضطراب ما بعد الصدمة يساعد على تقديم دعم مناسب في الوقت الصحيح، كما يقلل من احتمالات تضخم المعاناة بصمت.
ولأن أعراض الصدمة النفسية قد تكون غير مباشرة أو متغيرة فقد يلاحظ المقربون تحولات في السلوك أو المزاج أو العلاقات دون أن يفهموا سببها الحقيقي.
من أهم علامات اضطراب ما بعد الصدمة التي يجب الانتباه إليها:
- الانسحاب الاجتماعي والعزلة
- تجنب المواقف المرتبطة بالحدث الصادم
- نوبات الغضب المفاجئة والشديدة
- القلق المستمر والتوتر الزائد
- اضطرابات النوم والأكل
وقد يرافق ذلك ضعف واضح في التركيز أو ردود فعل مبالغ فيها تجاه أمور بسيطة أو حتى شعور دائم بالخوف والذعر دون تفسير منطقي في الظاهر.
وإذا استمرت هذه العلامات لأكثر من شهر فالتصرف الأكثر فائدة هو تشجيع الشخص على طلب المساعدة المهنية مع تقديم دعم نفسي متخصص أو توجيهه لمن يستطيع تقديمه لأن التأخر أحياناً يرسّخ الأعراض ويجعلها أكثر إزعاجاً للمصاب.
كيفية التعامل مع مريض اضطراب ما بعد الصدمة
إن دعم المصابين بالصدمات النفسية يحتاج إلى حساسية عالية وصبر طويل النفس، لأن التعافي لا يسير غالباً بخط مستقيم وقد تمر أيام يشعر فيها المصاب بتحسن ثم تعود الأعراض فجأة بسبب محفز غير متوقع. لذلك فإن فهم احتياجاته وتقدير حدوده - دون استعجال أو لوم - يختصر الكثير من الألم ويزيد فرص التحسن.
وهنا شرح كيفية التعامل مع مريض اضطراب مابعد الصدمة:
- إظهار الدعم غير المشروط
- الاستماع بتعاطف دون إصدار أحكام
- احترام مساحة المصاب الشخصية
- الحفاظ على التواصل المنتظم
الفكرة الأساسية هي أن يشعر المصاب بأنه مقبول كما هو وأنه لا يحتاج لتبرير ردود فعله طوال الوقت وأن من حوله يستطيعون البقاء بقربه حتى عندما يكون مرتبكاً أو صامتاً أو متوتراً.
خطوات عملية لتقديم الدعم الفعال
ابدأ بتهيئة بيئة يشعر فيها المصاب بالأمان: تجنب المفاجآت قدر الإمكان وكن واضحاً في نواياك واجعل حضورك مطمئناً لا ضاغطاً. أخبره أنك متاح للمساندة في أي وقت لكن دون دفعه للكلام أو إجباره على مشاركة تفاصيل لا يريدها. وعندما يختار الحديث ركّز على فهم شعوره لا على التحقيق في الأحداث لأن هدفه غالباً هو الشعور بالاحتواء لا إعادة سرد التفاصيل.
ومن الدعم العملي أيضاً مساعدته في تفاصيل بسيطة قد تبدو عادية للآخرين: تذكيره بمواعيد، أو توفير رفقة عند الخروج إذا رغب، أو مساعدته في التواصل مع مختص مع الحفاظ على كرامته واستقلاليته قدر الإمكان.
أهمية التواصل المستمر مع المصاب
التواصل المنتظم مهم لأنه يرسل رسالة غير مباشرة مفادها: "أنت لست عبئاً، وأنا هنا من دون شروط". يمكن أن يكون التواصل عبر رسائل قصيرة للاطمئنان أو مكالمة خفيفة أو زيارة قصيرة حسب ما يناسبه، مع الانتباه لعدم تحويل التواصل إلى استجواب أو ضغط للحصول على رد فوري. أحياناً يكفي أن يشعر المصاب أن الباب مفتوح وأن الدعم ثابت حتى لو لم يُظهر استجابة مباشرة.
تذكّر أن التعافي من الصدمات النفسية يستغرق وقتًا وقد يحتاج المصاب إلى تكرار نفس الحديث أو الانسحاب ثم العودة، وهذا لا يعني الفشل بل يعني أن جهازه النفسي يحاول تنظيم نفسه خطوة خطوة.
كن مستعداً للاستماع دون ضغط أو حكم
الاستماع الفعال لمرضى PTSD لا يعني مجرد الصمت بل يعني حضوراً ذهنياً حقيقياً وإشارات واضحة بأنك تفهم وتحترم ما يمر به المصاب حتى لو لم تستوعب كل التفاصيل. وعند التعامل مع شخص مصاب باضطراب ما بعد الصدمة فإن هناك خطوات بسيطة تفيد في جعل الحديث آمناً ومريحاً، وهي كالتالي:
- استمع بانتباه كامل دون مقاطعة
- تجنب إصدار أحكام أو تقديم نصائح سريعة
- أظهر التعاطف والاهتمام من خلال لغة الجسد
- امنح المصاب مساحة آمنة للتعبير عن مشاعره
كما أن بعض العبارات تحمل أثراً كبيراً لأنها تمنح المصاب شعوراً بالأمان دون أن تلغي معاناته، مثل: "أنا هنا من أجلك" و"خذ وقتك". هذه الرسائل البسيطة أقوى من محاولات إصلاح المشكلة بسرعة، لأنها تؤكد له أن مشاعره مسموعة وأنه ليس مضطراً للدفاع عن نفسه أو التظاهر بالقوة طوال الوقت.
تذكّر أن الناس يختلفون في معالجة الصدمات والتأثير على أجسادهم، وأن الصبر والفهم هما أساس مساعدة مرضى PTSD في استعادة صحتهم النفسية تدريجياً.
اختيار الوقت والمكان المناسبين للحديث
رعاية مرضى PTSD تتطلب انتباهاً دقيقاً للتوقيت والبيئة، لأن الحديث في وقت غير مناسب قد يزيد التوتر أو يفتح باباً لمشاعر يصعب السيطرة عليها. كما أن الدعم النفسي لا يعتمد فقط على الكلمات، بل على إحساس المصاب بأن الظروف المحيطة آمنة وتسمح له بالتعبير دون خوف.
وهنا كيفية اختيار الوقت والمكان المناسبين:
- اختر وقتًا يكون فيه كلاكما مسترخيين وبعيدين عن الضغوط
- تأكد من توفر مساحة هادئة وخاصة للحديث
- تجنب الأوقات التي يكون فيها أحدكما متعبًا أو مشتتًا
خلق بيئة آمنة للتعبير عن المشاعر
الرعاية النفسية لمرضى الصدمات تقوم على تفاصيل صغيرة لكنها مؤثرة: نبرة صوت هادئة، ولغة محترمة، وتجنب ردود الفعل المفاجئة.
اجعل المصاب يشعر أن بإمكانه التوقف متى شاء، وأنه غير مجبر على الاستمرار، وعندما يشارك شيئاً مؤلماً فحاول ألا تنقل الحديث مباشرة إلى الحلول، بل أعطه أولاً حقه في الشعور والتعبير، لأن الاعتراف بالألم جزء مهم من تنظيمه والتخفف منه.
متى يجب أخذ استراحة من الحديث
من المهم معرفة إشارات الإرهاق العاطفي لأن الإصرار على الاستمرار قد يفاقم الأعراض. عندما تلاحظ:
- صعوبة في التنفس
- بكاء متواصل
- علامات ارتباك واضحة
حينها اقترح بلطف استراحة قصيرة مع طمأنته أن التوقف لا يعني الانسحاب من دعمه بل يعني احترام قدرته في تلك اللحظة، ثم يمكن استكمال الحديث لاحقاً حين يهدأ. إن رعاية المصابين بالصدمة النفسية تتطلب صبراً وتفهماً مستمرين، وتقديراً لحدود الطاقة النفسية لدى المصاب.
تشجيع المصاب على طلب المساعدة المتخصصة
تشجيع مرضى PTSD على طلب المساعدة خطوة محورية، لأنها تنقل المصاب من محاولة التحمل الفردي إلى مسار علاجي أكثر تنظيماً وأماناً.
كثيرون يترددون في العلاج بسبب الخجل أو الخوف من الوصمة أو الاعتقاد أن ما يحدث لهم سيزول وحده، لذلك يحتاج التشجيع إلى لطف ووعي بعيداً عن الضغط.
عند التحدث مع شخص يعاني من PTSD اجعل فكرة العلاج النفسي تبدو طبيعية مثل أي رعاية صحية أخرى ووضّح له أن طلب المساعدة علامة قوة ومسؤولية لا علامة ضعف. ويمكن دعمه بطرق عملية مثل:
- شجعه على زيارة اختصاصي الصحة النفسية
- اشرح له فوائد العلاج النفسي بطريقة إيجابية
- قدم له الدعم العملي في البحث عن معالج مناسب
ومن المفيد أيضاً أن تعرض مرافقة المصاب إلى الموعد الأول إذا كان يشعر بالرهبة، أو مساعدته في ترتيب المواعيد، أو تزويده بمصادر موثوقة لفهم الخيارات العلاجية. الأهم أن يبقى دورك تشجيعاً ثابتاً دون إكراه، مع ترك مساحة له ليقرر بالوتيرة التي تناسبه، مع الحفاظ على دعمك وحضورك.
دور العلاج النفسي والسلوكي في التعافي
العلاج النفسي يُعد من أهم ركائز التعافي؛ لأنه يساعد المصاب على فهم ما يحدث داخله، ويمنحه أدوات لإعادة تنظيم الاستجابات الانفعالية والجسدية المرتبطة بالصدمة. كما يوفر إطاراً آمناً للتعامل مع الذكريات والمحفزات دون أن يظل المصاب أسيراً لها أو خائفاً من ظهورها المفاجئ.
وفيما يأتي بيان دور العلاج النفسي والسلوكي في التعافي:
- العلاج المعرفي السلوكي للصدمات
- تقنية إزالة الحساسية وإعادة المعالجة بحركة العين
- العلاج بالتعرض التدريجي
هذه الأساليب تُستخدم عادة ضمن خطط علاجية مبنية على تقييم متخصص، وقد تُدمج معاً أو تُختار بحسب طبيعة الأعراض وشدة الصدمة واحتياجات المصاب.
العلاج المعرفي السلوكي للصدمات
يركّز هذا العلاج على تعديل أنماط التفكير السلبية التي تكونت بعد الصدمة مثل الشعور المستمر بالخطر أو الذنب أو انعدام الأمان. يعمل المعالج مع المصاب على إعادة تفسير الأفكار والمعتقدات التي تزيد القلق أو تُبقيه في دائرة الخوف، ثم تدريبه على مهارات تساعده على الاستجابة للمحفزات بطريقة أكثر توازناً، بما يعزز قدرته على العودة للحياة اليومية بثقة أكبر.
تقنية إزالة الحساسية وإعادة المعالجة بحركة العين
هذه التقنية من الأساليب الحديثة نسبياً، وتعتمد على توجيه انتباه المصاب عبر حركات عين متناوبة أو وسائل مشابهة أثناء استحضار جزء من الذكريات المؤلمة ضمن إطار علاجي آمن.
الفكرة أن يساعد ذلك دماغ المريض على إعادة معالجة الذكرى بحيث يقل تأثيرها الانفعالي الحاد، فيتمكن المصاب من تذكر الحدث دون أن يعيش الألم بنفس الشدة كل مرة.
الغاية من هذه العلاجات هي تمكين المصاب من استعادة التوازن النفسي والتكيف مع الحياة بصورة طبيعية، مع تقليل الاضطراب الذي تسببه الذكريات والمحفزات اليومية.
طلب دعم الأهل والأصدقاء المقربين
الدعم الاجتماعي عنصر شديد الأهمية في التعافي، لأن المصاب يشعر أنه منفصل عن الآخرين أو غير مفهوم، بينما وجود شبكة مساندة يخفف الشعور بالوحدة ويقوّي الإحساس بالأمان. فالأهل والأصدقاء المقربون يمكنهم أن يكونوا مصدراً للأمل ليس عبر الكلام الكثير بل عبر الثبات والاحترام والوجود الإنساني الحقيقي.
لدعم المصابين بالصدمات النفسية نحتاج نهجاً حكيماً وصبوراً يوازن بين القرب وعدم التطفل، ومن الطرق الفعالة في ذلك:
- اختيار الأشخاص الموثوقين والداعمين
- التواصل بشكل منتظم ومريح
- تنظيم أنشطة مشتركة إيجابية
- احترام خصوصية المصاب
الروابط العائلية القوية تمنح المصاب شعوراً بالتقبل والانتماء لكن بشرط ألا يتحول الدعم إلى مراقبة أو ضغط أو إحراج، فالهدف هو خلق بيئة آمنة تساعد على التعافي التدريجي وتخفف التحديات النفسية دون أن يشعر المصاب أنه مُحاصر بالمساعدة.
تقنيات التهدئة ومساعدة المصاب على التأقلم
التعامل مع اضطراب ما بعد الصدمة يحتاج فهماً لآلية التوتر في الجسم، لأن كثيراً من الأعراض تكون نتيجة استنفار عصبي طويل. الدعم الصحي هنا يعني مساعدة المصاب على امتلاك أدوات بسيطة ومتكررة تهدئ الجهاز العصبي، وتعيده إلى الإحساس بالسيطرة والاتصال بالحاضر، وهذا يُعد خطوة عملية مهمة نحو الشفاء.
أنشطة فعالة لتخفيف التوتر
تقنيات التهدئة لمرضى الصدمة تساعد في تقليل حدة القلق وتكرار الاستجابات الجسدية، وتدعم قدرة المصاب على الاستمرار في يومه. من الأنشطة المفيدة لتخفيف التوتر:
- ممارسة تمارين التنفس العميق
- التأمل واليقظة الذهنية
- ممارسة الرياضة بانتظام
- الكتابة العلاجية
كما يمكن للمصاب تعلم تقنيات مثل التأريض، وهي تقنيات تُعيد الانتباه إلى اللحظة الحالية عبر التركيز على الحواس أو تفاصيل المكان، ما يخفف من الانجراف مع الذكريات أو نوبات الاسترجاع.
والأهم هو تجربة أكثر من نشاط لاكتشاف ما يناسب كل شخص، لأن الاستجابة تختلف من فرد لآخر، بينما يبقى الدعم المستمر والصبر عنصرين حاسمين في رحلة التعافي.
التعامل مع الأفكار الانتحارية والحالات الطارئة
التعامل مع الأفكار الانتحارية من أصعب المواقف عند مساعدة المصابين نفسياً، لأنها تظهر نتيجة ألم نفسي شديد وشعور خانق باليأس أو العجز. في هذه الحالة لا يكفي الدعم العاطفي وحده بل يجب التعامل بجدية واعتبار الأمر طارئاً يستدعي تدخلاً مباشراً لحماية الشخص.
من الطرق المفيدة هو الانتباه إلى علامات التحذير المبكرة، مثل:
- الحديث المتكرر عن الموت
- الشعور باليأس والإحباط
- الانسحاب الاجتماعي الشديد
- التغيرات المفاجئة في المزاج
وعندما ترى هذه العلامات اتبع خطوات واضحة لحماية الشخص كالتالي:
- لا تترك الشخص وحيداً أبداً
- تحدث معه بهدوء وتعاطف
- استمع دون إصدار أحكام
- أزل الوسائل المحتملة للإيذاء
- اتصل بخدمات الطوارئ فوراً
يمكنك الاتصال برقم الطوارئ 911 أو التواصل مع مركز الدعم النفسي التابع لوزارة الصحة في بلدك للحصول على المساعدة المتخصصة.
ما يجب تجنبه عند التعامل مع مصاب اضطراب ما بعد الصدمة
عند التعامل مع شخص مصاب بالصدمة فإن حسن النية وحده غير كافي؛ لأن بعض الأساليب المطمئنة ظاهرياً قد تُشعر المصاب بالتقليل أو عدم الفهم. لذلك من الضروري إدراك أن الدعم الحقيقي يقوم على احترام المشاعر لا على إلغائها، وعلى الاحتواء لا على إصدار الأحكام.
هنا لدي إرشادات مهمة للأسرة حول كيفية التعامل مع الصدمة، ومن أهم ما يجب تجنبه:
- تجنب التقليل من أهمية مشاعر المصاب
- عدم إطلاق أحكام سريعة على تصرفاته
- الابتعاد عن العبارات المهينة أو المشجعة بشكل سطحي
العبارات والتصرفات المؤذية
بعض العبارات قد تبدو إيجابية لكنها تؤذي لأنها تنفي الألم أو تستعجل التعافي، مثل:
- "انظر إلى الجانب المشرق"
- "يجب أن تتجاوز هذا الأمر الآن"
- "الأمور يمكن أن تكون أسوأ"
الأفضل أن يكون ردك قائماً على الاستماع بتعاطف وتأكيد حقه في الشعور مثل إظهار التفهم دون محاولة تصحيح مشاعره. فكل شخص يمر بتجربة الصدمة بشكل مختلف، واحترام مساحته النفسية وعدم الضغط عليه يمنحانه الأمان الذي يحتاجه ليبدأ التوازن بالعودة تدريجياً.
استراتيجيات دعم المصابين بالصدمات النفسية على المدى الطويل
التعافي من اضطراب ما بعد الصدمة رحلة قد تطول، وتتطلب دعماً متواصلاً لا ينقطع بعد أسبوع أو شهر. وقد يشعر المحيطون بالإحباط حين يرون بطء التحسن، لكن التقدم في هذا الاضطراب غالباً يكون تراكميّاً: خطوات صغيرة تتجمع مع الوقت لتصنع فرقاً حقيقياً.
استراتيجيات التأهيل النفسي بعد الصدمة تشمل جوانب عملية ونفسية، مثل:
- الحفاظ على التواصل المنتظم والداعم
- تشجيع الالتزام بالعلاج النفسي
- بناء روتين يومي صحي
- دعم المصاب في وضع أهداف واقعية
والتعافي عملية تدريجية قد تستغرق شهوراً وقد تمتد إلى سنوات وفق شدة الصدمة والظروف المحيطة، لذلك يحتاج الدعم إلى فهم عميق مثل:
- تقديم الدعم العاطفي المستمر
- الاحتفال بالتقدم الصغير
- احترام التغيرات في شخصية المصاب
- الحفاظ على الأمل والإيجابية
الالتزام طويل المدى لا يعني إرهاق الذات أو تجاوز الحدود، بل يعني ثباتاً واعياً يراعي احتياجات المصاب النفسية والعاطفية مع مرور الوقت.
الاعتناء بنفسك أثناء دعم مريض اضطراب ما بعد الصدمة
رعاية مريض الصدمة النفسية مسؤولية كبيرة، وقد تتحول إلى عبء مرهق إذا أهملت صحتك أنت. فدعم مرضى الصدمة النفسية قد يستهلك طاقة عاطفية وجسدية خصوصاً عندما تتكرر الأعراض أو تطول فترة التعافي، لذلك يصبح الاهتمام بنفسك شرطاً للاستمرار لا رفاهية مؤجلة.
من المفيد وضع حدود واضحة منذ البداية: اختر أوقاتاً للراحة، وامنح نفسك مساحة للتنفس، وحافظ على نوم كافي وتغذية متوازنة، وابقَ قريباً من الأنشطة التي تعيد لك الاتزان.
كذلك لا تتردد في طلب الدعم حين تحتاجه؛ تحدث مع صديق موثوق أو انضم لمجموعات دعم، وإذا شعرت بإرهاق متكرر أو ضغط عاطفي كبير فاستشارة مختص في الصحة النفسية قد تساعدك على إدارة دورك بطريقة أكثر صحة.
تذكر أن رعاية نفسك ليست أنانية، بل جزء من الدعم الفعال؛ لأن حضورك المتزن والهادئ يمنح المصاب شعوراً بالأمان، بينما إنهاكك قد ينعكس على علاقتكما دون قصد. كن لطيفاً مع نفسك واعترف بمشاعرك الخاصة أثناء مساعدة المصاب على التعافي.
الأسئلة الشائعة عن كيفية التعامل مع مريض اضطراب ما بعد الصدمة
اضطراب ما بعد الصدمة قد يثير أسئلة كثيرة لدى الأسرة والأصدقاء خصوصاً عندما تبدو الأعراض متغيرة أو غير متوقعة. فيما يلي إجابات موجزة تساعدك على الفهم والتعامل بوعي مع التركيز على دعم المصاب بطريقة إنسانية وآمنة:
ما هو اضطراب ما بعد الصدمة؟
اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) يظهر بعد التعرض لتجربة قاسية أو مخيفة ويجعل المصاب يعيش آثار الحدث كأنه قريب أو حاضر. لا يتعلق الأمر بتذكر عادي بل باسترجاع يرافقه توتر وخوف واضطراب في المشاعر والنوم، وقد يستمر الأثر لفترة طويلة إذا لم يحصل المصاب على دعم مناسب ومهني.
ما هي أهم أعراض اضطراب ما بعد الصدمة؟
أبرز الأعراض تتمثل في استرجاع الذكريات المؤلمة والكوابيس، إضافة إلى قلق شديد وتوتر يظهر على شكل تعرق أو تسارع ضربات القلب. كما يميل المصاب لتجنب المواقف التي تذكّره بالحدث، وقد يشعر بالذنب أو الحزن أو صعوبة في التركيز، كما أن اضطرابات النوم شائعة أيضاً، وقد تؤثر على طاقته وعلاقاته اليومية.
كيف يمكنني مساعدة شخص مصاب باضطراب ما بعد الصدمة؟
المساعدة تبدأ بالاستماع الفعّال وإظهار التعاطف دون لوم أو استعجال، لأن المصاب يحتاج أن يشعر بالأمان قبل أي شيء، فكن ثابتاً في دعمك عبر تواصل منتظم ومحترم، مع احترام مساحته الشخصية وعدم إجباره على الحديث. ومن المهم أيضاً تشجيعه بلطف على طلب المساعدة المتخصصة عندما تكون الأعراض مؤثرة على حياته.
هل يمكن علاج اضطراب ما بعد الصدمة؟
نعم، يمكن علاج اضطراب ما بعد الصدمة عبر أساليب علاجية نفسية أثبتت فعاليتها، مثل العلاج المعرفي السلوكي، وكذلك تقنية إزالة الحساسية وإعادة المعالجة بحركة العين (EMDR). وقد يوصي المختص أحياناً بأدوية تساعد على تخفيف بعض الأعراض بحسب الحالة، والأهم أن يكون العلاج تحت إشراف مهني وأن يُصمم وفق احتياجات المصاب.
كم يستغرق التعافي من اضطراب ما بعد الصدمة؟
مدة التعافي تختلف بشكل كبير بين شخص وآخر، فقد يتحسن البعض خلال شهور بينما يحتاج آخرون إلى وقت أطول قد يمتد لسنوات. يتأثر ذلك بشدة الصدمة وتكرارها، وبمدى توفر الدعم والاستقرار، وبنوع العلاج والالتزام به، كما أن وجود بيئة داعمة ومتوازنة يساهم في تسريع التحسن وتقليل الانتكاسات.
ما الذي يجب تجنبه عند التحدث مع شخص مصاب باضطراب ما بعد الصدمة؟
تجنب التقليل من شأن مشاعره أو مطالبته بأن يتجاوز المشكلة بسرعة، لأن هذا يزيد إحساسه بالعزلة وسوء الفهم، ولا تجبره على الحديث عن التفاصيل، ولا تستخدم عبارات مثل "كان يمكن أن يكون الأمر أسوأ من هذا" لأنها تنفي ألمه بدلاً من احتوائه، كما يُفضل عدم وضع جدول زمني للتعافي أو الحكم على ردود أفعاله، لأن التعافي له وتيرته الخاصة.
كيف أتعامل مع نوبات القلق لدى مريض اضطراب ما بعد الصدمة؟
حاول مساعدته على تهدئة جسده أولاً عبر تمارين التنفس العميق، وتوجيهه للتركيز على الحاضر باستخدام التأريض (Grounding) أو الاسترخاء العضلي التدريجي. اليقظة الذهنية تساعد أيضاً إذا كان يتقبلها، لأن الهدف هو تقليل استنفار الجهاز العصبي وإعادة الإحساس بالسيطرة، والأهم أن تبقى نبرتك هادئة وأن تؤكد له أنه في أمان حتى تمر النوبة.
هل يجب أن أطلب المساعدة المهنية للمصاب؟
نعم، المساعدة المهنية غالباً ضرورية عندما تؤثر الأعراض على النوم أو العلاقات أو العمل أو عندما تستمر لفترة، شجعه بلطف وطمأنه أن العلاج النفسي خطوة طبيعية مثل أي علاج صحي، وبيّن له فوائد وجود مختص يفهم آليات الصدمة. يمكنك أيضاً مساعدته عملياً في العثور على معالج مناسب أو ترتيب موعد أول إذا كان ذلك يخفف عنه.
- National Institute of Mental Health. (n.d.). Post-traumatic stress disorder (PTSD). National Institute of Mental Health. https://www.nimh.nih.gov/health/publications/post-traumatic-stress-disorder-ptsd
- National Institute of Mental Health. (n.d.). Traumatic events and post-traumatic stress disorder (PTSD). National Institute of Mental Health. https://www.nimh.nih.gov/health/topics/post-traumatic-stress-disorder-ptsd
- NHS. (n.d.). Post-traumatic stress disorder (PTSD): Symptoms. National Health Service. https://www.nhs.uk/mental-health/conditions/post-traumatic-stress-disorder-ptsd/symptoms/
- NHS. (n.d.). Post-traumatic stress disorder (PTSD): Treatment. National Health Service. https://www.nhs.uk/mental-health/conditions/post-traumatic-stress-disorder-ptsd/treatment/
- American Psychological Association. (2017, July 31). Cognitive behavioral therapy (CBT) for treatment of PTSD. American Psychological Association. https://www.apa.org/ptsd-guideline/treatments/cognitive-behavioral-therapy
- U.S. Department of Veterans Affairs. (n.d.). Cognitive processing therapy for PTSD. National Center for PTSD. https://www.ptsd.va.gov/professional/treat/txessentials/cpt_for_ptsd_pro.asp
- Cleveland Clinic. (2022, March 29). EMDR therapy: What it is, procedure & effectiveness. Cleveland Clinic. https://my.clevelandclinic.org/health/treatments/22641-emdr-therapy
- EMDR Institute. (n.d.). What is EMDR therapy? EMDR Institute. https://www.emdr.com/what-is-emdr/









إرسال تعليق